الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

318

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

لكونه في مقام الهزل ، خرج من عنوان الكذب لوجود القرينة كما هو ظاهر ، فالأحوط لو لم يكن أقوى وجوب الاجتناب عن الجميع ، إلّا في موارد قيام القرينة ممّا لا يسمّى كذبا . المقام الرّابع : هل يجري حكم الكذب في الإنشاء ؟ المعروف عدم جريان الصدق والكذب في الإنشائيات ، ولكن يحكى عن كاشف الغطاء ( رضوان اللّه عليه ) جريان حكم الكذب في الإنشاء وانّ الكذب وإن كان من صفات الخبر ، إلّا أنّ حكمه يجري في الإنشاء المنبئ عنه ، كمدح المذموم وذمّ الممدوح ، وتمنّي المكاره ، وترجّي غير المتوقّع وإيجاب غير الموجب . انتهى . وظاهر عبارة الشيخ الأعظم قدّس سرّه ميله إليه لعدم ردّه « 1 » . ولكن صرّح بعض المعاصرين ممّن تأخّر عنه نفي كون الإنشاء متّصفا بهما ، بينما يظهر من غيره أنّ الكذب على قسمين : حقيقي وادّعائي حكمي ، فكلّما كان له نوع كشف عن الواقع ولو كان من قبيل الإنشائيات داخل في الكذب حكما ، ومحرّم إلّا ما استثني . أقول : الذي يستفاد من الإطلاقات العرفية إطلاق عنوان الكذب على الأخبار والإنشاء كليهما وان كان المعروف المشهور في ألسن أهل العلم عدم اتّصاف الإنشاء بهما ، بل هو المأخوذ في تعريف الإنشاء والإخبار . فإذا قال القائل : فيا ليت الشباب يعود يوما . . . مع انّا نعلم أنّه يكره عود الشباب إليه قطعا ، نقول أنّه يكذب في قوله هذا ، أو قال : يا ليت زيدا حاضر هنا ، مع انّا نعلم شدّة عداوته له ، أو قال : تعالى تغدّ معنا . ونحن نعلم أنّه لا يريده . نقول أنّه كاذب في هذا القول . فالظاهر دخول الصدق والكذب في الإنشائيات غالبا ، لا لأنّ مفاده الذي هو أمر إيجادي قابل للاتّصاف بالصدق والكذب ، بل لما يلازمه من الإخبار ، فان التمنّي ملازم للإخبار بحبّ الشيء ، كما أنّ الأمر بشيء ملازم لإرادته ، والاستفهام عن شيء ملازم للجهل به ، وجريان الصدق والكذب بعنوان ملازمه .

--> ( 1 ) . المكاسب المحرّمة ، ص 50 .